المقالات مميّز
لا تهجروه
2026-10-12 أ.محمد ميرزا الريس

تمهيد: كتابٌ يهدي للتي هي أقوم
يقول الله تعالى:
﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9]
ويصف أمير البلاغة عليٌّ (ع) هذا الكتاب وصفًا جامعًا فيقول:
«واعلموا أنّ هذا القرآنَ هو الناصحُ الذي لا يَغُشّ، والهادي الذي لا يُضِلّ، والمحدِّثُ الذي لا يَكذِب، وما جالسَ هذا القرآنَ أحدٌ إلا قامَ عنه بزيادةٍ أو نقصان: زيادةٍ في هدىً أو نقصانٍ في عمى.» [نهج البلاغة، الخطبة 176]
وإذا كان القرآن بهذه المنزلة من النصح والهداية، فإنّ السؤال الذي يفرض نفسه على كل قارئ هو: أيُّ علاقةٍ تجمعنا اليوم بهذا الكتاب؟ وهل نجلس إليه جلسةَ من يخرج بزيادةٍ في الهدى، أم جلسةَ من لا يفقه من مجلسه شيئًا؟
المبحث الأول: القرآن المعجزة الخالدة
القرآن حبلُ الله المتين وسببُه الأمين، وهو المعجزة التي تحدّى الله بها الإنس والجن جميعًا:
﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88]
وتتجلّى معجزته في وجوهٍ متعددة، نذكر منها:
◆ الإعجاز البلاغي: فقد عجز فُطاحلُ اللغة وجهابذتُها عن أن يأتوا بسورةٍ من مثله، وهم أهل الفصاحة وأرباب البيان.
◆ الإعجاز العلمي: بما تضمّنه من إشاراتٍ دقيقة إلى حقائق الآفاق والأنفس، سبقت منجزات الحضارة وتراثها العلمي بأكثر من أربعة عشر قرنًا.
◆ الإعجاز الغيبي: في بيانه أخبارَ الماضي وإخبارِه بالغيب، ومواكبتِه للحاضر، فتجاوز بذلك حواجز الزمان والمكان.
◆ الإعجاز في صونه: إذ حُفظ من التحريف ليبقى دستورَ حياةٍ بكل نُظمها وأبعادها.
وهنا يتوجّه الخطاب إلى الضمير: فهل رعَيناه حقَّ رعايته؟ وهل تشبّثنا بنوره وتمسّكنا برشده ليُخرجنا من الظلمات إلى النور؟
المبحث الثاني: شكوى الرسول وصور الهجران
يأتي الجواب من القرآن ذاته، شاكيًا على لسان الرسول الأعظم (ص) إلى ربّه:
﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: 30]
والهجران ليس معنًى واحدًا، بل هو درجاتٌ يتفاوت فيها الناس، ومن صوره الشائعة:
◆ هجران الأنغام دون المعاني: فلم يعد القرآن عند بعضنا سوى أنغامٍ يرددها، وأحرفٍ يتكلّف تجويدَها دون أن يسأل عمّا تقوله له الآيات.
◆ هجران الموسم: فهو كتابٌ يعلوه غبار الزمن، لا يُخرَج من رفّه إلا في شهر رمضان.
◆ هجران الأدب: إذ يُتلى القرآن في مجالسنا ونحن لاهون، وقلّ عندنا الاحترام الواجب له، بل حُرق في بلاد المسلمين نفسها، فكيف نستنكر على غيرنا ما نقصّر نحن في حقّه؟
◆ هجران العمل والتحاكم: وهو أخطر الصور، حين يبقى القرآن في المسجد والمحراب، ويغيب عن الأسرة والاقتصاد والسياسة والعلاقات الاجتماعية.
اللبنات الخمس لعلاقةٍ واعية بالقرآن
من الهجران إلى الجيل القرآني
1 الإخلاص
يعطي العلاقة مضمونها الروحي وقيمتها الأخروية
2 التواصل الدائم
تلاوةٌ وحفظٌ وتجويد تجلو صدأ القلوب
3 الانصهار الوجداني
قلبٌ يذوب شوقًا عند آيات النعيم وخشيةً عند آيات العذاب
4 التدبّر
تأمّلٌ في المعاني والغايات يفتح نوافذ العقل
5 العمل
تطبيقٌ في الفكر والعاطفة والسلوك ثم الانتقال من الفرد إلى المجتمع
ثم نُنشئ جيلًا قرآنيًا لا يتحرّك إلا في هدي القرآن
المبحث الثالث: اللبنات الخمس لعلاقةٍ وطيدة
نحتاج إلى مراجعة ذواتنا، وإلى أن نمزّق عتمةَ الهجران ونصوغ لأنفسنا علاقةً وطيدة بالقرآن، علاقةَ من يذوب فيه ويعشقه. وقد يسأل سائل: كيف؟ والجواب أنّ هذه العلاقة تُبنى بخمس لبنات متتابعة:
اللبنة الأولى: الإخلاص
فهو الذي يعطي العلاقةَ مضمونها الروحي الكبير وقيمتها الأخروية، ويجعل التلاوة عبادةً لا عادة، وطلبًا لرضا الله لا لثناء الناس.
اللبنة الثانية: التواصل الدائم
فلنبدأ بخلق تواصلٍ مستمر مع كتاب الله ولو في أبعاده الظاهرية بدايةً: تلاوةً وحفظًا وتجويدًا. ففي الأثر أنّ القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد، وجلاؤها تلاوة القرآن. وما لا يُقرأ لا يُفهم، وما لا يُفهم لا يُعمل به.
اللبنة الثالثة: الانصهار الوجداني
ثم نُضفي على هذا التواصل نوعًا من الذوبان القلبي، فتهيم قلوبنا عند تلاوته أو سماعه؛ فلا تمرّ بنا آيات النعيم إلا وتشتاق أرواحنا إلى الجنة، ولا تمرّ بنا آيات العذاب إلا وأشفقنا على أنفسنا وبكينا عليها.
اللبنة الرابعة: التدبّر
ولا يتأتّى ذلك إلا بفتح نوافذ القلوب ومدارك العقول على تأمّل الآيات والتفكّر في معانيها وغاياتها. والتدبّر هو الجسر الذي تعبر عليه المعرفةُ من اللسان إلى القلب.
اللبنة الخامسة: العمل
وكل ما سبق مقدماتٌ لا تُسمن ولا تُغني من جوع ما لم نقرنها بالعمل بالقرآن؛ تطبيقًا وتجسيدًا في أقوالنا وأفعالنا، وفي كل أبعاد الحياة ومساحاتها: فكرًا وعاطفةً وسلوكًا. فتلك هي القيمة الكبرى للتعاطي مع القرآن.
المبحث الرابع: ختامٌ بمسك — من الفرد إلى المجتمع
ثم نحكم ما بنيناه من علاقةٍ مع القرآن بختامٍ مسك؛ بأن نخرج به من دائرة الفرد إلى دائرة المجتمع، فنُنشئ جيلًا قرآنيًا لا يتحرّك إلا في أُطر القرآن وهديه. وهذه دعوة رسول الله (ص) إلينا حين يقول:
«فإذا التبست عليكم الفتنُ كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن.» [الكافي، كتاب فضل القرآن]
اقتراحاتٌ تطبيقية
◆ وردٌ يوميّ ثابت من التلاوة، ولو صفحةً واحدة، بدل ختمةٍ موسمية تنقطع.
◆ مجلسٌ أسريّ أسبوعيّ نقرأ فيه آيةً ونتدارس معناها وما تطلبه منّا.
◆ محاسبةٌ عملية: نختار كل أسبوع خُلقًا قرآنيًا واحدًا (كحسن الظن أو شكر النعمة) ونجتهد في تطبيقه.
◆ تعليم الأبناء القرآن حفظًا وفهمًا، ليشبّوا وقد ارتبطت قلوبهم به.
خلاصة البحث
هُجران القرآن ليس جريمةَ من يتركه فحسب، بل هو أيضًا حال من يقرؤه ولا يتدبّره، ومن يتدبّره ولا يعمل به. وطريق العودة خمسُ لبنات: إخلاصٌ يصحّح النيّة، وتواصلٌ يديم الصلة، وانصهارٌ يوقظ القلب، وتدبّرٌ يفتح العقل، وعملٌ يصدّق الدعوى؛ ثم يتّسع ذلك كلّه ليصير مشروعَ جيلٍ ومجتمع.
مصادر البحث
1. القرآن الكريم.
2. نهج البلاغة، جمع الشريف الرضي، الخطبة 176.
3. الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي، كتاب فضل القرآن.
4. الغريفي، عبد الله، كتاب الضيافة الربانية.